الشيخ الأميني
154
الغدير
فبما يوحي إلي ربي ( 1 ) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ( 2 ) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ( 3 ) ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين . فالقدر لا يستلزم جبرا وعلم المولى سبحانه بمقادير ما يختاره العباد من النجدين ويأتون به من العمل من خير أو شر لا ينافي التكليف . كما لا أثر له في اختيار المكلفين ، ولا يقبح معه العقاب على المعصية ، ولا يسقط معه الثواب على الطاعة . فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( 5 ) ونضع الموازين القسط يوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ( 6 ) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ( 7 ) فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ( 8 ) . فهل الخليفة عرف هذا المعنى من القدر ، فأجاب بما أجاب ؟ لكن السائل لم يفهم ما أراده فانتقده بما انتقد ، غير أنه لو كان يريد ذلك لما جابه المنتقد بالسباب المقذع والتمني بأن يكون عنده من يجأ أنفه قبل بيان المراد فيفئ الرجل إلى الحق . أو أن الخليفة لم يكن يعرف من القدر إلا ما ارتفعت به عقيرة جماهير من أشياعه من القول بخلق الأعمال ؟ فيتجه إذن ما قاله المنتقد سبه الخليفة أولم يسبه . والذي يؤثر عن ابنته عائشة هو الجنوح إلى المعنى الثاني يوم اعتذرت عن نهضتها على مولانا أمير المؤمنين ، وتبرجها عن خدرها المضروب لها تبرج الجاهلية الأولى بعد أن ليمت على ذلك : بأنها كانت قدرا مقدورا وللقدر أسباب ، أخرجه الخطيب البغدادي بإسناده في تاريخه 1 : 160 . وإن كان يوقفنا موقف السادر ما يؤثر عنها فيما أخرجه الخطيب أيضا في تاريخه 5 : 185 عن عروة قال : ما ذكرت عائشة مسيرها في وقعة الجمل قط إلا بكت حتى
--> ( 1 ) سورة سبأ : 5 . ( 2 ) سورة الإسراء : 7 . ( 3 ) سورة النجم : 30 . ( 4 ) سورة القصص : 85 . ( 5 ) سورة الزلزلة : 7 ، 8 . ( 6 ) سورة الأنبياء : 47 . ( 7 ) سورة غافر : 17 . ( 8 ) سورة آل عمران : 25 .